فصل: تفسير الآية رقم (251):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (250):

{وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250)}
{وَلَمَّا بَرَزُواْ} أي ظهر طالوت ومن معه وصاروا في براز من الأرض وهو ما انكشف منها واستوى {لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} أي لمحاربتهم وقتالهم {قَالُواْ} جميعًا بعد أن قويت قلوب الضعفاء متضرعين إلى الله تعالى متبرئين من الحول والقوة. {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} أي صب ذلك علينا ووفقنا له، والمراد به حبس النفس للقتال {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا} أي هب لنا كمال القوة والرسوخ عند المقارعة بحيث لا تتزلزل، وليس المراد بتثبيت الأقدام مجرد تقررها في حيز واحد إذ ليس في ذلك كثير جدوى {وانصرنا عَلَى القوم الكافرين} أي أعِنّا عليهم بقهرهم وهزمهم، ووضع {الكافرين} موضع الضمير العائد إلى جالوت وجنوده للإشعار بعلة النصر عليهم، وفي هذا الدعاء من اللطافة وحسن الأسلوب والنكات ما لا يخفى، أما أولًا: فلأن فيه التوسل بوصف الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال، وأما ثانيًا: فلأن فيه الإفراغ، وهو يؤذن بالكثرة، وفيه جعل الصبر نزلة الماء المنصب عليهم لثلج صدورهم وإغنائهم عن الماء الذي منعوا عنه، وأما ثالثًا: فلأن فيه التعبير بعلى المشعر بجعل ذلك كالظرف وجعلهم كالمظروفين، وأما رابعًا: فلأن فيه تنكير صبرًا المفصح عن التفخيم، وأما خامسًا: فلأن في الطلب الثاني وهو تثبيت الأقدام ما يرشح جعل الصبر نزلة الماء في الطلب الأول إذ مصاب الماء مزالق فيحتاج فيها إلى التثبت، وأما سادسًا: فلأن فيه حسن الترتيب حيث طلبوا أولًا: إفراغ الصبر على قلوبهم عند اللقاء وثانيًا: ثبات القدم والقوة على مقاومة العدوّ حيث أن الصبر قد يحصل لمن لا مقاومة له، وثالثًا: العمدة والمقصود من المحاربة وهو النصرة على الخصم حيث إن الشجاعة بدون النصرة طريق عتبته عن النفع خارجة، وقيل: إنما طلبوا أولًا: إفراغ الصبر لأنه ملاك الأمر، وثانيًا: التثبيت لأنه متفرع عليه، وثالثًا: النصر لأنه الغاية القصوى، واعترض هذا بأنه يقتضي حينئذٍ التعبير بالفاء لأنها التي تفيد الترتيب، وأجيب بأن الواو أبلغ لأنه عول في الترتيب على الذهن الذي هو أعدل شاهد كما ذكر السكاكي.

.تفسير الآية رقم (251):

{فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)}
{فَهَزَمُوهُم} أي كسروهم وغلبوهم، والفاء فيه فصيحة أي استجاب الله تعالى دعاءهم فصبروا وثبتوا ونصروا فهزموهم {بِإِذُنِ الله} أي بإرادته انهزامهم ويؤول إلى نصره وتأييده، والباء إما للاستعانة والسببية وإما للمصاحبة {وَقَتَلَ دَاوُودُ} هو ابن إيشا {جَالُوتَ} أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: لما برز طالوت لجالوت قال جالوت: أبرزوا إليّ من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم فأتى بداود إلى طالوت فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله فألبسه طالوت سلاحًا فكره داود أن يقاتله بسلاح وقال: إن الله تعالى إن لم ينصرني عليه لم يغن السلاح شيئًا فخرج إليه بالمقلاع ومخلاة فيها أحجار ثم برز له فقال له جالوت: أنت تقاتلني؟ قال داود: نعم قال: ويلك ما خرجت إلا كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة لأبددن لحمك ولأطعمنه اليوم للطير والسباع فقال له داود: بل أنت عدو الله تعالى شر من الكلب فأخذ داود حجرًا فرماه بالمقلاع فأصابت بين عينيه حتى قعدت في دماغه فصرخ جالوت وانهزم من معه واحتز رأسه.
{آتاه الله الملك} في بني إسرائيل بعد ما قتل جالوت وهلك طالوت، وذلك أن طالوت كما روي في بعض الأخبار لما رجع وفي الشرط فأنكح داود ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده فأراد قتله فعلم به داود فسجى له زق خمر في مضجعه فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه فسال الخمر منه فقال: يرحم الله تعالى داود ما كان أكثر شربه للخمر ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال: يرحم الله تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقتلته وظفر بي فكف عني ثم إنه ركب يومًا فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس فقال: اليوم أقتل داود وكان داود إذا فزع لا يدرك فركض على أثره طالوت ففزع داود فاشتد فدخل غارًا وأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فضربت عليه بيتًا فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال: لو كان دخل هاهنا لخرق بيت العنكبوت فرجع، وجعل العلماء والعباد يطعنون عليه بما فعل مع داود وجعل هو يقتل العلماء وسائر من ينهاه عن قتل داود حتى قتل كثيرًا من الناس ثم إنه ندم بعد ذلك وخلى الملك وكان له عشرة بنين فأخذهم وخرج يقاتل في سبيل الله تعالى كفارة لما فعل حتى قتل هو وبنوه في سبيل الله تعالى فاجتمعت بنو إسرائيل على داود وملكوه أمرهم فهذا إيتاء الملك {والحكمة} المراد بها النبوة ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله بل كانت النبوة في سبط، والملك في سبط، وهذا بعد موت ذلك النبي وكان موته قبل طالوت، وذكر الحكمة بعد الملك لأنها كانت بعده وقوعًا أو للترقي من ذكر الأدنى إلى ذكر الأعلى {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} كصنعة اللبوس ومنطق الطير وكلام الدواب، والضمير المستتر راجع إلى الله تعالى، وعوده إلى داود كما قال السمين ضعيف لأن معظم ما علمه تعالى له مما لا يكاد يخطر ببال، ولا يقع في أمنية بشر ليتمكن من طلبه ومشيئته.
{وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم} وهم أهل الشرور في الدنيا أو في الدين أو في مجموعهما {بِبَعْضِ} آخر منهم يردهم عما هم عليه بما قدره الله تعالى من القتل كما في القصة المحكية أو غيره، وقرأ نافع هنا وفي الحج دفاع على أن صيغة المغالبة للمبالغة {لَفَسَدَتِ الأرض} وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يصلح الأرض ويعمرها، وقيل: هو كناية عن فساد أهلها وعموم الشر فيهم؛ وفي هذا تنبيه على فضيلة الملك وأنه لولاه ما استتب أمر العالم، ولهذا قيل: الدين والملك توأمان ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر لأن الدين أس والملك حارس وما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع. {ولكن الله ذُو فَضْلٍ} لا يقدر قدره {عَلَى العالمين} كافة وهذا إشارة إلى قياس استثنائي مؤلف من وضع نقيض المقدم منتج لنقيض التالي خلا أنه قد وضع موضعه ما يستتبعه ويستوجبه أعني كونه تعالى ذا فضل على العالمين إيذانًا بأنه تعالى يتفضل في ذلك الدفع من غير أن يجب عليه ذلك وأن فضله تعالى غير منحصر فيه بل هو فرد من أفراد فضله العظيم كأنه قيل: ولكنه تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الأرض وينتظم به مصالح العالم وينصلح أحوال الأمم، قاله مولانا مفتي الديار الرومية قدس سره.
واعترض بأنه مخالف لقول المنطقيين: إن المتصلة ينتج استثناء عين مقدمها عين تاليها لاستلزام وجود الملزوم وجود اللازم واستثناء نقيض تاليها نقيض المقدم لاستلزام عدم اللازم عدم الملزوم ولا ينعكس فلا ينتج استثناء عين التالي عين المقدم ولا نقيض المقدم نقيض التالي لجواز أن يكون التالي أعم من المقدم فلا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم ولا من عدم الملزوم عدم اللازم، وأجيب بأن ذلك إنما هو باعتبار الهيئة، وقد يستلزمه بواسطة خصوصية مادة المساواة، وقد صرح ابن سينا في «الفصول» بأن الملازمة إذا كانت من الطرفين كما بين العلة والمعلول ينتج استثناء كل من المقدم والتالي عين الآخر ونقيضه نقيض الآخر، وفي تعليل القوم أيضًا إشارة إليه حيث قالوا: لجواز أن يكون اللازم أعم وكأن في عبارة المولى إشارة إلى أن الملازمة في الشرطية من الطرفين حيث قال: منتج ولم يقل ينتج اه.
وأجاب بعضهم بأن قولهم ذلك ليس على سبيل الاطراد بل إذا كان نقيض المقدم أعم من نقيض التالي، وأما إذا كان نقيضه بعكس هذا كما في هذه الآية الكريمة وأمثالها فإنه ينتج التالي، وذلك أن الدفع المذكور لما كان ملزومًا لعدم فساد الأرض كانت الملازمة ثابتة بينهما لأن وجود الملزوم يستلزم وجود اللازم كما بين في موضعه وادعاء أن الملازمة من الطرفين هنا كما زعمه المجيب الأول ليس بشيء بل اللازم هاهنا أعم من الملزوم كما لا يخفى على ذي روية، وكون عبارة المولى مشيرة إلى أن الملازمة من الطرفين في حيز المنع وما ذكره لا يدل عليه كما لا يخفى فافهم وتدبر فإن نظر المولى دقيق.

.تفسير الآية رقم (252):

{تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)}
{تِلْكَ آيات الله} إشارة إلى ما سلف من حديث الألوف وموتهم وإحيائهم وتمليك طالوت؛ وإظهاره بالآية وإهلاك الجبابرة على يد صبي وما فيه من البعد للإيذان بعلو شأن المشار إليه، وقيل: إشارة إلى ما مر من أول السورة إلى هنا وفيه بعد، والجملة على التقديرين مستأنفة، وقوله تعالى: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} أي بواسطة جبريل عليه السلام إما حال من الآيات والعامل معنى الإشارة، وإما جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب {بالحق} في موضع النصب على أنه حال من مفعول {نتلوها} أي متلبسة باليقين الذي لا يرتاب فيه أحد من أهل الكتاب وأرباب التواريخ لما يجدونها موافقة لما عندهم أو لا ينبغي أن يرتاب فيه أو من فاعله أي نتلوها عليك متلبسين بالحق والصواب وهو معنا أو من الضمير المجرور أي متلبسًا بالحق وهو معك.
{وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين} حيث تخبر بتلك الآيات وقصص القرون الماضية وأخبارها على ما هي عليه من غير مطالعة كتاب ولا اجتماع بأحد يخبر بذلك. ووجه مناسبة هذه القصة لما قبلها ظاهرة وذلك لأنه تعالى لما أمر المؤمنين بالقتال في سبيله وكان قد قدم قبل ذلك قصة الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت إما بالطاعون أو القتال على سبيل التشجيع والتثبيت للمؤمنين والإعلام أنه لا ينجي حذر من قدر أردف ذلك بأن القتال كان مطلوبًا مشروعًا في الأمم السابقة فليس من الأحكام التي خصصتم بها لأن ما وقع فيه الاشتراك كانت النفس أميل لقبوله من التكليف الذي يقع به الانفراد.
هذا ومن باب الإشارة في هذه الآيات: {ألم ترى إلى} ملأ القوى {من بني إسرائيل} البدن {من بعد موسى} القلب {إذ قالوا لنبي} عقولهم {ابعث لَنَا مَلِكًا نقاتل فِي سَبِيلِ الله} وطريق الوصول إليه بواسطة أمره وإرشاده {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تقاتلوا} أي إني أتوقع منكم عدم المقاتلة لانغماسكم في أوحال الطبيعة {قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نقاتل} في طريق السير إلى الله تعالى، {وقد أخرجنا} من ديار استعداداتنا الأصلية التي لم نزل بالحنين إليها؛ واغتربنا عن أبناء كمالاتنا اللاتي لم نبرح عن مزيد البكاء عليها {فلما كتب عليهم القتال} لعدوهم الذي تسبب لهم الاغتراب وأحل بهم العجب العجاب تولوا وأعرضوا عن مقاتلته وانتظموا في سلك شيعته {إِلاَّ قَلِيلًا مّنْهُمُ} وهم القوى المستعدة {والله عَلِيمٌ بالظالمين} [البقرة: 246] الذين نقصوا حظوظهم {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ} الروح الإنساني ملكًا متوجًا بتاج الأنوار الإلهية جالسًا على كسرى التدبيرات الصمدانية {قَالُواْ}: لاحتجابهم بحجاب الأنانية وغفلتهم عن العلوم الحقانية كيف يكون له الملك علينا مع انحطاط مرتبته بتنزله إلى عالم الكثافة من عالمه الأصلي وليس فيه مشابهة لنا {وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ} لاشتراكنا في عالمنا ومشابهة بعضنا بعضًا وشبيه الشيء ميال إليه قريب اتباعه له:
ولكل شيء آفة من جنسه

{وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً} من مال التصرف إذ لا يتصرف إلا بالواسطة {قَالَ إِنَّ الله تَعَالَى} اختاره عليكم لبساطته وتركبكم وزاده سعة في العلم الإلهي وقوة في الذات النوراني، {والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء} فيدبره بإذنه، {والله واسع} لسعة الإطلاق، {عَلِيمٌ} [البقرة: 247] بالحكم التي تقتضي الظهور والتجلي ظاهر الأسماء، {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ} عليكم وخلافته من قبل الرب فيكم {أَن يَأْتِيَكُمُ} تابوت الصدر {فِيهِ سَكِينَةٌ} أي طمأنينة من {رَبُّكُمْ} وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس بالله تعالى، {وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ موسى} القلب {وَقَالَ لَهُمْ} السر، وهي من التوحيد وعصا لا إله إلا الله التي تلقف عظيم سحر صفات النفس وطست تجلي الأنوار الذي يغسل به قلوب الأنبياء وشيء من توراة الإلهامات {تَحْمِلُهُ} [البقرة: 248] ملائكة الاستعدادات لدى طالوت الروح فعند ذلك تسلم له الخلافة وينقاد له جميع أسباط صفات الإنسان، {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ} وجنوده من وزير العقل ومشير القلب ومدبر الأفهام ونظام الحواس {قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ} الطبيعة الجسمانية المترع ياه الشهوات {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ} وكرع مفرطًا في الري فليس من أشياعي الذين هم من عالم الروحانيات وأهل مكاشفات الصفات {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} ويذقه فإنه من سكان حظائر القدس وحضار جلوة عرائس منصة الأنس {إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ} وكرعوا وانهمكوا فيه {إِلاَّ قَلِيلًا مّنْهُمُ} وهم المتنزهون عن الأقذار الطبيعية المتقدسون عن ملابسها المتجردون عن غواشيها وقليل ما هم فلما جاوز طالوت الروح نهر الطبيعة وعبره {هُوَ والذين ءامَنُواْ} من القلب والعقل والملك وغيرهم من اتباع الروح {مَعَهُ}، قال بعضهم وهم الضعفاء الذين لم يصلوا إلى مقام التمكين {لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم} حاربة جالوت النفس وأعوانه لعراقتهم بالخدع والدسائس {قَالَ الذين} يتيقنون {أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله} بالرجوع إليه: {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً} وقهرتها حتى أذهبت كثرتها {بِإِذُنِ الله} وتيسيره، {والله مَعَ الصابرين} [البقرة: 249] بالتجلي الخاص لهم، فلما برزوا لحرب جالوت وجنوده تبرءوا من الحول والقوة وقالوا: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} واستقامة، {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا} في ميادين الجهاد حتى لا نرجع القهقرى من بعد؛ {وانصرنا} [البقرة: 250] على أعدائنا الذين ستروا الحق، وهم النفس الأمارة وصفاتها {فَهَزَمُوهُم} وكسروهم {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ الله وَقَتَلَ} القلب {جَالُوتَ} النفس، ووصلوا كلهم إلى مقام التمكين فلا يخشون الرجعة والردة، وكان قد رماه بحجر التسليم في مقلاع الرضا بيد ترك الالتفات إلى السوي فأصاب ذلك دماغ هواه فخر صريعًا فآتى الله تعالى داود ملك الخلافة وحكمة الإلهامات {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} من صنعة لبوس الحروب، ومنطق طيور الواردات وتسبيح جبال الأبدان، {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم} كأرباب الطلب {بِبَعْضِ} كالمشايخ الواصلين {لَفَسَدَتِ} أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم عند استيلاء جالوت النفس،
{ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين}، [البقرة: 251] ومن فضله تحريك سلسلة طلب الطالبين وإلهام أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيل تربيتهم والتشبث بأهداب سيرتهم فسبحانه من جواد لا يبخل ومتفضل على من سأل ومن لم يسأل.